الثعلبي
22
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
قاله الفرّاء : التأويل الآخر أن معناه يرى المسلمون المشركين مثلي عدد أنفسهم قللهم اللّه في أعينهم حتى رأتها ستمائة وستة وعشرون ، وكانوا ثلاثة أمثالهم تسعمائة وخمسين ، ثم قلّلهم في أعينهم في حالة أخرى حتى رأتها مثل عدد أنفسهم . قال ابن مسعود : في هذه الآية نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضاعفون علينا ، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا ولا واحدا ، ثم قللهم اللّه في أعينهم حتى رأتهم عددا يسيرا أقل عددا من أنفسهم . وقال ابن مسعود أيضا : لقد قلّلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة . قال : فأسرنا رجلا منهم فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفا ، وقال بعضهم : الروية راجحة إلى المشركين يعني : يرى المشركون المؤمنين مثليهم قلّلهم اللّه في أعينهم قبل القتال يعني في أعين المشركين ليجترؤوا عليهم ولا ينصرفوا ، فلمّا أخذوا في القتال كثّرهم في أعينهم ليجبنوا وقلّلهم في أعين المؤمنين ليجتروا فذلك قوله : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا « 1 » الآية . محمّد أبي الفرات عن سعيد ابن أبي آوس في قوله : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ قال : كان المشركون يرون المسلمين مثليهم فلمّا أسروهم سألهم المشركون كم كنتم ؟ قالوا : ثلاثمائة وبضعة عشرة ، قالوا : ما كنّا نراكم إلّا تضاعفون علينا ، قال : وذلك ممّا نصر به المسلمون . وقرأ السلمي يُرَوْنَهُمْ بضم الياء على ما لم يسمي فاعله وإن شئت على معنى الظن . رَأْيَ الْعَيْنِ أي في رأي العين نصب ونزع حرف الصفة وإن شئت على المصدر أي ترونهم رأي العين ، أي : في نظر العين يقال : رأيت الشيء رأيا ورؤية ورؤيا ثلاث مصادر إلّا أنّ الرؤيا أكثر ما يستعمل في المنام ليفهم في رأى العين بمعنى النظر إذا ذكر . وقال الأعشى : فلما رأى لا قوم من ساعة * من الرأي ما أبصروه وما أكتمن وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ : يقوي بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ : التي ذكرت لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ : لذوي العقول ، وقيل : لمن أبصر الجمعين . زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ : جمع شهوة وهي نزوع عن النفس إليه ، وإنّما حرّكت الهاء في الجمع ليكون فرقا بين جمع الاسم وبين جمع النعت ؛ لأنّ النعت لا تحرك نحو : ضخمة ،
--> ( 1 ) سورة الأنفال : 44 .